مصطفى صادق الرافعي
11
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وهنا معنى دقيق بديع فإن الأديان إنما كانت على النبوات ، ولم يأت دين من الأديان بمعجزة توضع بين أيدي الناس يبحث فيها أهل كل عصر بوسائل عصرهم غير الإسلام ، بما أنزل فيه من القرآن ، فكأن النبوة في هذا الكتاب متجددة أبدا يلتقي بروحها كل من يفهم دقائقه وأسراره ، فلا يلبث البليغ الذي يفهم القرآن - ولو لم يكن من أهله المؤمنين به - أن يستيقن في نفسه أنه حارس على اللغة ، ثم يغلو في هذا اليقين فإذا هو قد أوحت إليه نفسه أنه ليس حارسا على اللغة العربية فحسب ، ولكنه كذلك من حرّاس المعجزة . ولو كان الإنسان باقيا بقاء المادة لجاز أن يتحول ، بل لوجب أن يتحول ولكن فناء الناس جميعا من أول تاريخ الإنسانية برهان حي مستمر الدلالة على أن هذه الإنسانية محدودة بحقائقها محصورة في معانيها ، وأن عليها طابعا إلهيا يؤذن أنها مفروغ منها ، وإذا كان ذلك من أمرها ، وجب أن تكون حدودها بينة صريحة في أعاليها وأسافلها ؛ وإذا صح هذا لزم أن يكون لها كتاب منزل من اللّه ، فإذا نحن أصبنا تلك الحدود في القرآن ورأينا أثر القرآن في الآخذين به والمهتدين بهديه ، فلا علينا أن نقول بصيغة الجزم : إن القرآن كتاب أنزل لتكون كل نفس سامية نسخة حية من معانيه ، وليكون هو النفس المعنوية الكبرى ، فهو كتاب ولكنه مع ذلك مجموعة العالم الإنساني « 1 » . مصطفى صادق الرافعي
--> ( 1 ) كنا نريد الزيادة في هذه الطبعة ما وسعنا ، وأن نمد في الكتاب ما تبلغ الطاقة غير أن ذلك يخرج بنا إلى مضاعفة حجمه ، إذ تتناول الزيادة بسط أسرار الإعجاز في آيات كثيرة ، والتوسع في معانيها بما تطابق المناحي التي يذهب إليها كلامنا في هذا الجزء ، وذلك عمل لا يستوفيه إلا كتاب برأسه ، فتركنا ما كان على ما كان ( إلا قليلا حذفا أو تنقيحا أو تكملة ) ، واللّه المستعان فيما سيكون بحوله تعالى وقوته . ا ه من تعليق المؤلف ، ونقول : إننا وقفنا فيما وقفنا عليه من منشآت الرافعي الأدبية على فصول من كتاب ( أسرار الإعجاز ) وقد بسطنا الكلام عنه في كتابنا ( حياة الرافعي ) .